لمحة تاريخية

قناريت تعني "القيثارات" وهي بلدة تاريخية قال المؤرخين عنها : أن أول من دخل لبنان حط رحاله في بلدة  قناريت – منطقة مرج الرمانة.

بلدة قناريت قائمة منذ القدم على التجارة ولم تزل ويوجد فيها مزرعتين كبيرتين للمواشي تعتبر من أكبر المزارع في لبنان. وقناريت بلدة زاهرة بالعمران كما يوجد فيها العديد من المؤسسات التجارية والخدماتية والصحية ومطاعم عدة أهمها مطعم برج الأخضر ومطعم المنارة، ويقصدها الزوار من مختلف المناطق اللبنانية لحسن ضيافة أهلها وكرمهم.


إنّ اسم لبنان من أقدم أسماء البلدان، وقد ارتبط بمعطيات جغرافيّة طبيعيّة، وصمد في وجه المؤامرات والاعتداءات عبر الزمن. واختلف المؤرخون حول أصل اسم لبنان.

ففي حين قال بعضهم إن هذا الاسم عائد إلى بياض قمم الجبال بسبب الثلوج، عزا آخرون التسمية إلى الصخور الكلسية البيضاء. وذهب آخرون إلى نسب اسم لبنان إلى شجر اللّبن وهو نوع من الأشجار كان ينمو في لبنان، ويعطي في الربيع ازهاراً بيضاء، وينتج الجذع صمغاً ذكي الرائحة، كان القدماء يصنعون منه البخور.

وعثر في لبنان على عيّنات من العنبر اللبناني الذي يحوي حشرات ونباتات منقرضة. والعنبر اللبناني هو أقدم وأغنى عنبر اكتُشف في العالم، ويعود إلى حقبة جيولوجية تسمى الحقبة الطبشورية أو الكريتاسية الباكرة (السفلى) ويرجع عمرها إلى ما بين 120 و136 مليون سنة. وقد قدّمها الدكتور رئيف ملكي إلى مؤسسة المحفوظات الوطنية.

وقد وُجد في لبنان أثر للإنسان يعود لحوالي 600 ألف سنة في منطقة الزهراني جنوب صيدا وهو " برج قنّاريت "، وهو يعتبر من أقدم الآثار لإنسان العصر الحجري القديم في حوض البحر المتوسّط وفي الشرق الأوسط.

أما تسمية " فينيقيا " فهي لقب أو وصف أطلقه الإغريق على مجموعة من القبائل الكنعانية السامية الموجودة في المنطقة الممتدة من فلسطين مروراً بلبنان إلى سوريا، كلمة " فينيقي " تعني الأرجوان وهو اللون الذي برعوا في صناعته واستعماله. وقال بعض المؤرخون إن اسم فينيقيا مشتق من كلمة " فينقس "، وهي تعني شجر النخيل باللغة اليونانية، وهذا احتمال وارد لأن أراضي فينيقيا كانت غنية بشجر النخيل في العصور السالفة. هذا الشجر الذي كان ينمو نمواً جيداً في الساحل اللبناني، خصوصاً في نواحي طرابلس وعكار وبيروت وصور. ويعتقد أيضاً أن شجرة النخيل كانت رمزاً لفينيقيا في العصور المتأخرة. وكانت المستعمرات الفينيقيّة كقرطاجة وأوتيكة تصوّر النخيل على مسكوكاتها. وقد سكن الفينيقيون شواطىء المتوسط الشرقية، من جبل الكرمل في الجنوب، حتّى مصبّ العاصي في الشمال.

أضف إلى ذلك أثر "عدلون" الذي يعود لما بين 300 ألف و75 ألف سنة، و" نهر الكلب " الذي ترجع آثاره لحوالي 52 ألف سنة، و" انطلياس " التي ترجع آثارها لحوالي 46660 سنة، و" جبيل " التي تعود آثارها لحوالي 5250 قبل المسيح…

كما وجدت أدوات بدائية تعود إلى العصر الحجري الأول في العقيبة على الشاطىء اللبناني بين بيروت وجبيل وفي قريتي كفريا ومدوخا الواقعتين في منطقة البقاع.

وقد قام عالم الحفريات Zumoffen في مستهل القرن العشرين بحفريات في مغاور عدلون وأنطلياس ونهر الكلب ونهر ابراهيم، وقد وجد أن الأدوات الحجرية التي كان يستعملها الناس الذين عاشوا في العصور السابقة للتاريخ هي الأدوات التي يتميّز بها أواخر العصر الحجري المتوسط، وهو العصر الذي تعود إليه آثار المغاور المشهورة التي وجدت في جبل الكرمل.

وقد أسفرت التنقيبات التي أجريت في مغاور أنطلياس ومغاور منبع نهر الكلب عن وجود أدوات حجرية تتميّز بها الحقبة المتأخرة من العصر الحجري القديم، وللإنسان الحديث نسبياً.وكذلك اجريت حفريات شمالي هذه المنطقة عند نهر الجوز قرب البترون وعند نهر أبو علي قرب طرابلس، وقد وجد أن البقايا التي وجدت قرب طرابلس تعود إلى العصر الحجري المتأخر. وقد وجد إلى جانبها عظام الوعل المتحجرة والغزال والذئب.

كما وجدت بقايا هيكل عظمي بشري في قلب صخر من الصخور التي تتألف من قطع من الحجارة المتلازمة في كهف في كسار عقيل فوق أنطلياس على بعد أميال من بيروت شمالاً J.Franklin Ewing in Trought,vol.XXIV,1949,P.255)).

وقد وجد هذا الهيكل عند أسفل الطبقة التي يسمونها، حسب المصطلح القديم في علم الأركيولوجية، طبقة الحضارة الأورينية السفلى. وهذه الحضارة التي تنتسب إليها، هي تلك التي ظهرت على أعقاب فترة انتقال من دور الأدوات الحجرية، الرقائق التي تعزى إلى طبقة الحضارة اللافلوازية- الموسترية العليا. وقد وجد أن هذا الهيكل العظمي الذي اكتشف عام 1938 هو هيكل صبي عمره حوالي 8 سنوات، وقد عاش منذ 25 ألف إلى 30 ألف سنة.وقد وجد أيضاً في مغور أنطلياس عظام حيوانات أخرى: الغزال والضبع والثعلب والبقرة والماعز. وأقدم هذه البقايا الحيوانية عظام الكركدن وعظام حيوانات أخرى أكثر بدائية منها.وقد وجد في هذه المغاور أصداف حلزونية مختلطة بعظام يظهر أنها سحقت سحقاً لإستخراج النخاع منها.

أما الأدوات التي استخدمها انسان انطلياس في صيده، فقد كانت مصنوعة من صوان الصخور القريبة. ويعود بعض هذه الادوات الحجرية إلى الحضارة الأورينية القديمة، وبعضها الآخر يعود إلى أعصر أسبق في الزمن، أي الحضارة الموسترية- اللافلوازية، مع العلم أن الحضارة اللافلوازية ( نسبة إلى ضاحية من ضواحي باريس) سبقت الحضارة الموسترية. وهنالك أدلة تشير إلى أن وادي أنطلياس ظلّ وادياً مأهولاً منذ ذلك الزمن البعيد حتى يومنا هذا.

واكتشف عام 1833 مغارة في المعاملتين عند الجسر الروماني سميت قديماً " مغارة آدم ". ترتفع عن سطح البحر نحو 25 متراً، وهي في قلب التلة التي يقوم عليها اليوم كازينو لبنان، ويمر في أسفلها خط سكة الحديد. ويُرجح زوموفن أنها تعود إلى العصر النيوليتي، استناداً إلى أوان وأدوات وفؤوس حجرية من المغارة جمعها الأب دُه مولان.

كما اكتشف مغارة أخرى في كسروان سنة 1908 وجد فيها أدوات حجرية ظرانية من أزاميل ومقاشط ومناشير وعظام حيوانات تعود إلى العصر الحجري الأوسط.

وقد وجدت أدوات حجرية قرب طرابلس وفي كسار عقيل ( فوق انطلياس) وظهر أنها مثل الأدوات ذاتها التي كان يستعملها سكان وادي النطوف، مما يدل على الوحدة في طريقة صنعها. وهناك دلالات كثيرة على أن مغاور أنطلياس كانت مأهواة من الانسان الحجري الأول منذ ما قبل سبعين أفف سنة. وعندما انتشر الانسان انطلاقاً من افريقيا قبل مئتي ألف عام، وصل إلى الشرق الأوسط، حيث سكن مغاورها ومنها مغاور أنطلياس.

كما وجدت مجموعة من أدوات من صنع انسان العصر الحجري الحديث في الرأس القريب من مصب نهر الكلب، ومجوعة أخرى من العظام وجدت في صيدا يبدو على سطحها خطوط محفورة برؤوس شفرات حجرية حادة (C.L.Wooley:Guide to the museum of archeology,Beirut1921,p.2).

وإضافة إلى مغارة كسار عقيل حيث عثر على هيكل للإنسان الأول، توجد في أنطلياس مغاور أخرى كانت مسكناً لإنسان العصر الحجري، وهذه المغاور هي: مغارة البلاّنة (الوطاويط)، مغارة الرهبان، المغارة الناشفة، المغارة الشتوية ومغارة ورع.

وعُثر في مغارة البلاّنة على أحجار مدقوقة وعظام. ووجد في أعلى المغارة أنقاض معبدين، وآثار كتابات فينيقية، وكان أحد المعابد للإله اليان أو الياس ابن بعل وهو إله الربيع والينابيع، والثاني للإلهة أناط، إلهة الجمال والأمومة، وهي أيضاً ابنة بعل.

وفي الحفريات التي أجريت في وسط بيروت ( محيط ساحة الدباس)، عثر المنقبون على مقبرة يعتقد أنها تعود إلى العصور الحجرية. وعثر أيضاً على قطع صوانية، ويرجح أن يكون الإنسان القديم قد أخذ من هذه المنطقة موقعاً لسكناه. أضف إلى ذلك اكتشاف طبقات تعود إلى العصر الحجري في محيط كنيسة مار مارون، وعلى رؤوس أسهم وأدوات مصقولة على الشاطىء الجنوبي لبيروت، وتحديداً في منطقة برج البراجنة. كما عثر في العام 1930 على آثار قديمة حجرية في منطقة تل ارسلان الواقع اليوم في حرم مطار بيروت، وآثار للإنسان القديم في جنوب بيروت والروشة، حيث اكتشفت أدوات ترجع إلى العصر النحاسي.

أضف إلى ذلك العثور على قطع خزفية قديمة في جبيل يعود عهدها إلى العصر الحجري الحديث، أقدم بلدة لبنانية ذات تاريخ مدون على الأرجح M.Dunand:Fouilles de ) Byblos,vol.I,Paris 1939.P.390).

وقد أجريت في أماكن أخرى في جبيل حفريات يعود عهدها إلى العصر النحاسي. ويقدر العالم Dunand الذي قام بهذه الحفريات أن الأبنية التي عثر عليها يعود تاريخها إلى 3200 ق.م ويعتبرها أقدم نموذج لبناء الحجر في الشرق كله إن لم يكن في العالم. فان المقبرة التي وجدت هناك يعود تاريخها إلى حوالي منتصف الألف الرابع (3500 ق.م).

وعثر على أدوات تعود إلى أواخر العصر الحجري المتوسط في منطقة عدلون الواقعة بين مدينتي صيدا وصور وفي مغاور أنطلياس و نهر الكلب ونهر ابراهيم.

وفي عدلون الجنوبية مغارة على الطريق الساحلي تعرف بمغارة " أم البزاز " يعود تاريخها إلى العصور الحجرية. وقد عثر فيها على نواويس وآثار تثبت أنها كانت مأهولة. وكان النساء يقصدن المغارة من مناطق بعيدة لمسح صدورهن بالمياه المتساقطة من الجدران لاستدرار الحليب.

وقد ورد ذكر لبنان باسمه صراحة وضمناً وباستمرار في النقوش الأكدية والمصرية والآشورية والبابلية الجديدة بدءاً من النصف الأول من الألف الثالث قبل المسيح. فقد ذكر الفرعون سنفرو مؤسس الدولة الرابعة ( حوالي 2650 ق.م) في نقش له يصف فيه سفرة بحرية إلى لبنان انه جلب معه حمل 40 مركباً من جذوع الأرز.

ويذكر هذا الفرعون أيضاً أنه بنى مراكب من خشب الأرز(James H.Breasted:Ancient .(records of Egypt,vol.I.Chicago 1906,Sec.146

وقد وجدت في الغرفة التي دفن فيها سنفرو داخل هرم دهشور جسور من جذوع الأرز لا تزال تحمل سقف الغرفة.

وبرز اكتشاف رائع عثر عليه في ربيع عام 1954، وهو زورق لخوفو خليفة سنفرو. وهذا الزورق كان يستخدم في مراسيم الدفن والموت طوله 60 قدماً. وقد كان الزورق مدفوناً قرب هرم الجيزة دفناً محكماً في طبقة من الحجارة الكلسية. وقد وجد الزورق وما فيه من أدوات بحالة سليمة. وهو مصنوع من خشب الأرز الذي قيل انه يحتفظ إلى يومنا هذا برائحة الارز، ويظهر أن القصد من صنع هذا المركب نقل نفس الفرعون في رحلتها الأبدية مع الشمس.

وهذا الزورق يرجح انه الثاني بين أقدم آثار خشب الأرز اللبناني التي اكتشفت إلى اليوم. وفي المتحف المصري نماذج من توابيت مصنوعة من خشب الأرز الذي لا يزال محتفظاً بجودته.

ويذكر الجغرافي سترابو أسماء جزيرتين في الخليج الفارسي اسم احدهما صور والأخرى أرواد فيهما هياكل تشبه الهياكل الفينيقية. وفي احدى جزر البحرين عدد كبير من القبور التي تشبه القبور الفينيقية، ولها مداخل تواجه المغرب. وقد زار نيارخوس، أمير البحر عند الإسكندر المقدوني، مدينة تسمى صيدا تقع على شاطىء الجزيرة العربية الشرقي.

وكانت أول مدينة لبنانية ألقى عليها التاريخ أضواءه جبلة ( جبال في التوراة)، واسمها السامي القديم لا يزال حياً في اسمها الحديث: جبيل. أما المصريون فقد كانوا يسمونها كبنة والإغريق ببلوس.وقد ذكرها النبي حزقيال (279:) وكذلك يشوع شعبها " الجبليين " ( يشوع :135).وقد ورد ذكرها أيضاً في سفر الملوك الأول (518:).

وقد وجدت جسور من جذوع الأرز في مقابر الأسرة الفرعونية الأولى (S.R.K. (Glanville:The legacy of Egypt,Oxford,P.6 وبعض قطع من خشب الأرز يعود تاريخها إلى ما قبل هذه الأسرة. وفي هذا دلالة على أن هذا الخشب كان يستحضر من لبنان في ذلك العهد السحيق. وقد وجد أيضاً في قبور ملوك هذه الأسرة آنية خزفية وسلع كنعانية أخرى. وقد عثر في جبيل على هيكل وجد فيه قرابين وتقدمات ملوك مصر بدء بفراعنة الأسرة الثانية. ولم تقتصر تجارة هذا الميناء اللبناني-جبيب- على تجهيز مصر بالأخشاب الممتازة لصنع المراكب ولسقف القصور والهياكل ولصنع المواعين والتوابيت والسواري والكراسي وغيرها من آثاث البيت، بل كانت تصدر إلى مصر خمور لبنان المشتهاة وزيت زيتونها الطيب، ومختلف الصموغ التي تفرزها الشقوق في جذوع أشجار الصنوبر والأرز والشربين والسرو والتي كانت تستعمل في عملية التحنيط.

وكان أمراء جبيل يتبادلون الهدايا مع فراعنة مصر. فنجد اسم الفرعون خوفو، باني الهرم الكبير في الجيزة، محفوراً على مزهرية من المرمر مرفوعة إلى " بعلة جبيل " التي كان لها هيكل ترسل إليه القرابين والنذور من الفراعنة الذين سبقوا خوفو والذين خلفوه. وأسفرت الحفريات عن اكتشاف معبد للالهة المصرية ايسيس قائم إلى جانب معبد بعلة جبيل.و قد وجد حجاب يعلق على الصدر عليه اسم امنمحت الثالث ( حوالي 1690-1642 ق.م).

كما عثر على قبر للملك أبي شامو (ملك جبيل) وقد بني على شكل بيت، وفيه إلى جانب جثة الملك هذايا ثمينة.

كما تم اكتشاف ناووس للملك أشمون عَزر الثاني ( نحو 450 ق.م.) ملك صيدون مدوّن عليه نص من اثنين وعشرين سطراً، باللغة الفينيقية، جاء فيه: " إذ إنني أنا أشمون عَزر، ملك صيدا، ابن الملك تبنيت ملك صيدا، حفيد أشمون عَزر ملك صيدا وأمي أم عشترت كاهنة عشتار، الملكة، سيدتنا، ابنة أشمون عَزر ملك صيدا، بنينا مساكن للآلهة، منزل عشتار في صيدا البحريّة، وأدخلنا عشتار إلى شميم اديريم وبنينا مسكناً للأمير المقدس أشمون في موقع نبع جدلال في الجبل، وأدخلناه إلى شميم اديريم ".

وتعتبر جبيل أٌقدم مدينة في العالم أهلت بالسكان بدون انقطاع منذ تأسيسها وإلى يومنا هذا. ويعتبر " دونان " مباني بيبلوس التي ترقى إلى حوالي 3200 ق.م. أقدم مبان حجرية أثرية في الشرق، وربما في العالم.

ويقول الشاعر الإغريقي هوميروس في أشعاره عن صيدا أن تجارة الأقمشة والنحاس والرقيق هي من احتكار مدينة صيدا، مما يدل على أهميتها كمدينة تجارية. وكان لصيدا بعلها الخاص والها الحارس الشفيع، أشمون (إله الشفاء). وقد عثر على بقايا هيكله عام 1900 خارج المدينة جنوبي نهر الأولي.

وقد وجد في مقبرة في كفرجرة (جزين) ابريق يعود عهده إلى العصر البرونزي المتأخر. فضلاً عن العثور على ابريق من العصر الحديدي الأول (1200-900 ق.م.) في الرشيدية بالقرب من صور ،وعلى صحن يعود إلى العصر الحديدي الأول أيضاً في قبر بالصخر في الصرفند، وعلى العديد من الكنوز والمعادن والأدوات الأثرية في العديد من المناطق اللبنانية، مما يدل على موقعها وأثرها التاريخي العظيم عبر مر العصور.

وتدل الحفريات التي أجريت في بيروت وضواحيها عن وجود بقايا أعمدة وأنقاض فينيقية وإغريقية ورومانية وبيزنطية قديمة تدل على عظمة الأبنية التي كانت تزدان بها بيروت أيام العصور القديمة.

وتدل النقوش التي عثر عليها في بيروت والمحفور عليها اسم الفرعون ،على وجود علاقات تجارية متطورة مع مصر منذ القرن الثامن عشر ق.م.

وفي ألواح تل العمارنة في مصر مراسلات تمت بين ملوك جبيل والفرعون امينوفيس الرابع المعروف بأخناتون ( مطلع القرن الرابع عشر ق.م.) ورد فيها اسم " بيروتا " وملكها " عمونيرا ". ولفظة بيروتا سامية معناها الآبار والينابيع، يعادلها في الأكادية " بورتو " وهو من الجذر نفسه للفظة بير العربية.

وعُثر في جزيرة قبرص على نقش هو تقدمة لبعل فينيقيا، ويعود تاريخه إلى القرن الثامن قبل الميلاد. أما في رودوس، فتقول الأسطورة إن قدموس مرّ بها في طريقه إلى بلاد الإغريق لنشر الأبجدية، وفيها آثار فينيقية عدّة، وقد ساهم الفينيقيون في ازدهارها.

فقد انتقل قدموس إلى اليونان قاطعاً البحر من شاطىء فينيقيا، بحثاً عن أخته " عُربا " أي الغرب بتكليف من أبيه الملك اجنور بعدما اختطفها الإله الإغريقي زفس المتخفي بجسم ثور، ونقلها إلى جزيرة كريت حيث استرجع طبيعته البشرية وتزوج " عُربا " وأنجب منها مينوس، أبرز ملوك كريت ورجال الاشتراع فيها. وفي ما بعد أطلق اسم " عُربا " أي أوروبا على القارة بكاملها. وثمة قرى ومدن في الجزر الفينقية تحمل أسماء تعود بجذورها إلى اللغة الفينيقية. كما أن الإله ملكارت هو نفسه هرقل الإغريقي الذي تنسب إليه الأساطير أنه كان خارق القوة والشجاعة. كما عثر على بقايا من الجسر الروماني في منطقة المعاملتين (كسروان) يعود إلى عهد الأمبراطور الأول نيكاتور (307 ق.م.).

أما حصن معراب في كسروان، فهو عبارة عن هيكل بناه لوكيوس، حسب قطعة حجرية كانت على عتبة باب منقوشة بالفينيقية. ثم تعاقبت عليه حضارات أخرى لاحقة.

وقلعة فقرا ( تحريف فرقا اللفظ الفينيقي الآرامي السامي القديم الذي يعني المزار أو مقام الصنم والتمثال) وهي على ارتفاع حوالي 1600 متر عن سطح البحر مؤلفة من ثلاثة أقسام: معبد جوبيتر ( إله الرومان الأكبر) ويدل عليه نقش روماني محفور على مدخله، طوله 30 متراً وعرضه 16 متراً، وحوله نواويس محفورة في الصخور.

أما معبد أترغاتيس ( عشتروت الزهرة) زوجة " هدد " ( إله الصاعقة والعاصفة والبرق والرعد والخصب) فطوله 40 متراً، يتصدره عمودان يعلوهما قوس بارتفاع 30 متراً، وعن جانبيه صَفّا أعمدة كورنثية.

والقسم الثالث، يشمل القلعة الرومانية، مربعة الشكل تقريباً، يدل على هويتها صخر في أحد أركانها الجنوبية، عليه كتابة رومانية تشير إلأى تاريخ بنيانها ( نحو سنة 355 يونانية / نحو سنة 43 ميلادية) على نفقة الاله الأعظم.ويتطابق هذا التاريخ مع تاريخ بناء المعبدين، وهويته رومانية.

وتقول الأسطورة إنّ آدم ( جدّ الإنسان) قام ببناء جسر الحجر في سفح جبل صنين، وتحته استراح مع حواء في أول محطة لهما خارج الجنة.

جميع هذه المحطّات تؤكّد على تواصليّة في التواجد البشري في الأماكن عينها، ولعدّة آلاف سنة على أرض لبنان.

لن نتطرق إلى تفاصيل تاريخ لبنان القديم والحديث، إذ يمكن الإطلاع على مختلف الحقبات التاريخيّة للبنان في الكتب والمراجع الأساسية اللبنانية والعالمية.

والهدف من هذه الزاوية ليس الإضاءة على مجد لبنان وحقباته المختلفة، بل إبراز الحضارة اللبنانية وأهميتها العالمية، فالنور لا يحتاج إلى الأنوار ، والحضارة لا تحتاج إلى الإشارة…

نور لبنان من مجده…

ومجده من نوره…

فقد صاحب التاريخ لبنان منذ أقدم العصور ولا يزال يصاحبه ويلازمه.

وقد وجد المنقبون عن آثار الإنسان إلى جانب نقوش صخرة نهر الكلب عند طرق الرأس الداخل في البحر بقايا بشرية تدل على أن هذه المغاور في الصخر كانت في العصر الحجري الأول ملجأ للإنسان.

ان تاريخ لبنان المدون تاريخ مديد يشمل فترة من الزمن مدتها ستة آلاف سنة وأكثر. ويستطيع لبنان أن يفخر بقيمته وأهميته الأسطورية.

انه بلد كوني- بحسب تعبير الدكتور فيليب حتي- لأن تاريخه في الواقع جزء كبير من تاريخ عالمنا المتحضّر.

طبيعة أرضه الجبلية، وقربه من البحر، وخموقعه في مركز متوسّط في البلدان التي كانت مهد الحضارة، وموقعه عند مفترق الطرق العالمية، وكونه جزءاً من الطريق الدولية التي كانت تربط بين قارات ثلاث، هذه وغيرها كانت عوامل ذات أثر بعيد المدى في تكوين دوره التاريخي. فقد كان بحر لبنان، البحر الأبيض المتوسط، أول طريق بحري مرّت عليه بضائع الشعوب المتحضّرة لتتوزع على بلدان شواطئه، بضائع مادية وثقافية.

وتعتبر الحضارة الكنعانية أساس ومرتكز قامت عليها الحضارة العبرية والحضارة الآرامية. ولم يقتصر أثر الحضارة الكنعانية على الشعبين العبراني والآرامي بل تعدّاهما إلى الشعب اليوناني الذي بدوره أثر في حضارة الغرب كلها، فأصبحت هذه الشعوب الثلاثة وريثة الحضارة الكنعانية- اللبنانية.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن اللبناني برع وتألق بفن السياسية منذ القدم، فوصل إلى المراكز العسكرية والسياسية الهامة، حتى استطاع ترأس وتزعم الأمبراطورية الرومانية، فنذكر على سبيل المثال سبتيموس سفريوس (193-211) وكركلا (211-217) وإله الجبل Elagabalus (218-222) وجوليا دومنا (توفيت 217 ب.م.) زوجة الأمبراطور سفيروس وجوليا سحيمة (توفيت 222 ب.م.) وجوليا ميزا (توفيت 223 ب.م.).

وكان كركلا وأمه يأمران بكتابة هيليوبوليس على النقود التي كان يصكانها.ونجد كتابة النذور المنقوشة على مصاطب الأعمدة الضخمة في بعلبك المرفوعة إليهما تكريماً.

ويظهر اسم هيكل جوبيتر - بعلبك- أيضاً على النقود التي صكها فيليب العربي (244-249).

ولبنان يمكن اعتباره، جزءاً من الأرض المقدسة، التي تغنى أنبياء وشعراء بمجدها وبجمال أرزها وجودة نتاجها.ققمه العالية المغطاة بالثلوج كانت ولم تزل مصدر وحي روحي للكتّاب، ومعاقله معتكفاً روحياً للنسّاك والعباد. جماعات من صيدا وصور وجوارها أمّوا الجليل ليسمعوا عظات السيد المسيح ولينتفعوا بعجائبه ( انجيل مرقس 3:8 وانجيل لوقا 6:17 )، وقد زار المسيح شاطىء لبنان الجنوبي (انجيل متى 1521: وانجيل مرقس 731-24:).وقد ورد الاسمين صور وصيدا عدة مرات في العهد الجديد ( متى1121:-22،15:21 ،مرقس 3:8،7: 24-31، لوقا 6: 17-10-13-14، أعمال الرسل 12: 20). وبينما كان المسيح يتجول هناك اتته إمرأة كنعانية تضرع إليه أن يشفي ابنتها المصابة بالجنون فشفاها. وقد بني على الموقع الذي جرت فيه هذه العجيبة كنيسة تذكارية كانت لا تزال قائمة عند منتصف القرن الرابع عشر (Ludolph Von Suchem:Description of the holly land,London 1895,p.50).

كما يوجد على بعد أميال جنوبي صيدا كهف قديم، فيه كنيسة شيدت على اسم سيدة المنيطرة، تيمناً بالتقليد الكنسي الذي يقول أن مريم أقامت هناك تنتظر قدوم ابنها إلى صيدا. وعلى هذا التقليد سميت الكنيسة بسيدة المنطرة ( المنطرة كلمة سريانية تعني الترقب والانتظار).

وقضى بولس الرسول أسبوعاً في صور وعرج على ميناء صيدا حيث زار أصدقاء له (أعمال الرسل 27: 3).واسم التوراة في الاغريقية Ta Biblia وهذا الاسم يُرد في أصله إلى كلمة بيبلوس أي جبيل.

ويروي التراث الصوري أن حجراً كبيراً من الرخام كان إلى جانب ينبوع رأس العين جلس عليه المسيح عندما كان ينتظر عودة بطرس ويوحنا اللذين أرسلهما إلى المدينة ليجلبا خبزاً، وأن يسوع أكل معهما وشرب من مياه النبع.

ومغارة قانا شاهدة أيضاً على قدسية لبنان، إذ شهدت الأعجوبة الأولى التي قام بها المسيحن أي تحويل الماء إلى خمر. فثمة دراسات تؤكد أن هذا المغارة الواقعة في بلدة قانا الجنوبية هي ذاتها قانا الجليل.

وتقع هذه المغارة على منحدر صخري في الغرب الشمالي للبلدة. وعلى صخرة أمامية منفردة جرى نحت أشكال لمجموعة من الأشخاص يقال أنها تمثّل تلامذة المسيح الإثني عشر. وفي وسط هذه المجموعة التي جرى ترتيبها في شكل صفّ، شخص بارز تحيط هالة برأسه، وبدا رفاقه من اليمين واليسار مختلفي الأحجام، ممّا يعزّز الاعتقاد بصوابية النظرة القائلة بأن قانا الجنوب هي ذاتها قانا الجليل. وخلف هذه المنحوتة، تبرز أشكال أخرى في الجدار الصخري الطبيعي تمثّل أشخاصاً جرى التعبير عنهم في شكل أقرب إلى الأيقونات المسيحية.

ويؤكد المؤرخ الأسقف أوزابيوس (265-339 م) في كتابه الذي نشر باللاتينية عام 1862، أن قانا صور هي ذاتها قانا الجليل إذ يقول: " قانا، حتى صيدون الكبيرة، لقبيلة أشير. في هذا المكان حوّل ربنا وإلهنا يسوع المسيح الماء إلى طبيعة الخمر، وفيها أيضاً كان نتنائيل وهي قرية في الجليل ".

وقد عقد في مدينة صور مجمع كنسي عام 335 حكم بالهرطقة على أثناسيوس مطران الإسكندرية.

ويذكر أن الحجارة التي بنيت بها الكعبة اقتلعت من خمسة جبال احدها لبنان ( ابن الفقيه: كتاب البلدان، طبعة دي غويه لسنة 1885، ص 19-20).

واليوم نجد جاليات من أحفاد الفينيقيين تعيش في الولايات المتحدة الأميركية والبرازيل والأرجنتين وفنزويلا وكولومبيا والبيرو وكندا وأوستراليا وفرنسا وبريطانيا وأوروبا وفي كثير من المدن والبلدان. فيكاد يكون الطائر اللبناني يحلق فوق سماء مختلف البلدان والمناطق.
2018 | All rights reserved ©This site is designed & developed by Ali HAMKA.